الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

107

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

عرفتها في وجه رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما : يسبق حلمه جهله ، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما ، فقد اختبرتهما ، فأشهدك أنى قد رضيت باللّه ربّا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيّا « 1 » . وعن أبي هريرة قال حدثنا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يوما ثم قام ، فقمنا حين قام فنظرنا إلى أعرابي قد أدركه فجبذه بردائه فحمر رقبته ، وكان رداء خشنا ، فالتفت إليه فقال له الأعرابي : احملنى على بعيري هذين ، فإنك لا تحملني من مالك ولا من مال أبيك ، فقال له - صلى اللّه عليه وسلم - : « لا ، وأستغفر اللّه ، لا وأستغفر اللّه ، لا وأستغفر اللّه ، لا أحملك حتى تقيدنى من جبذتك التي جبذتنى » ، فكل ذلك يقول له الأعرابي : واللّه لا أقيدكها ، فذكر الحديث ، قال : ثم دعا رجلا فقال له : « احمل له على بعيريه هذين على بعير تمرا وعلى الآخر شعيرا » « 2 » رواه أبو داود . ورواه البخاري من حديث أنس بلفظ : كنت أمشى مع النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - وعليه برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذ بردائه جبذة شديدة ، قال أنس : فنظرت إلى صفحة عاتقه وقد أثرت فيه حاشية البرد من شدة جبذته ، ثم قال : يا محمد مر لي من مال اللّه الذي عندك ، فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء « 3 » . وفي هذا بيان حلمه - صلى اللّه عليه وسلم - وصبره على الأذى في النفس والمال ، والتجاوز عن جفاء من يريد تألفه على الإسلام ، وعن عائشة لم يكن النبيّ

--> ( 1 ) أخرجه ابن حبان في « صحيحه » ( 288 ) ، والحاكم في « المستدرك » ( 3 / 700 ) ، والطبراني في « الكبير » ( 5 / 222 ) . ( 2 ) ضعيف : أخرجه أبو داود ( 4775 ) في الأدب ، باب : في الحلم وأخلاق النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - ، والنسائي ( 8 / 33 ) في القسامة ، باب : القود من الجبذة ، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى في « ضعيف سنن أبي داود » . ( 3 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 3149 ) في فرض الخمس ، باب : ما كان النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - يعطى المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس وغيره ، ومسلم ( 1057 ) في الزكاة ، باب : إعطاء من سأل بفحش وغلظة .